بدل فقير حجي

الثلاثاء,تشرين الثاني 27, 2007


بدل فقير حجي
يوجد في الديانة الأيزيدية العديد من المناصب والرتب و التسميات وهي: ألأمير، أمير الحج (مير حج) ،البابا شيخ (أختيارى مه ركه هى) ، بيشيمام الشيخ حسن ، بيشيمام الشرفدين ، الشيخ الوزير ، البابا كافان ، الفقير وجمعها فقراء ولهم بيشيمام خاص ، القوال (القوالون أو القوالين) ولهم رئيس ، أختيار بعشيقة ، أختيار بحزاني ، أختيار الباسك، المربي (المربين) ، الكوجك(الكواجك) ، المجيور ( سادن لأحد المراقد) و هم كثيرون ، البابا جاويش .....

أضافة الى العديد من الطبقات و منها طبقة الشيوخ بفروعها الثلاث : آداني ، شه مساني ، قاتاني ، وطبقة البيرة و يتجاوز عدد مجاميعها ألأربعون و البير المتميز بينهم هو بير هه سلمه مان( حسن مه م) و لايجوز له الزواج من غيره من ألأبيار ، وأخيرآ الطبقة العامة و تسمى بالمريد و هم ألأكثرية الساحقة من ألأيزيدية ، و بهذا فأن المجتمع ألأيزيدي يتكون من ستة طبقات أ و مجاميع زواجية و لايجوز لأفراد أي مجموعة التزاوج من المجاميع ألأخرى ....
الباباجاويش:
تطلق هذه التسمية على رجل الدين ألأيزيدي الذي يختار بملئ أرادته حياة الزهد و التصوف و ألأنعزال بدلا عن الحياة العامة و ألأعتيادية و هو الوحيد من بين رجال الدين الذي يحرم عليه الزواج ،أضافة الى بعض الناسكات و الذي يطلق على أعلى مناصبهن ( كاباني) و البقية تسمى بالفقرايات و مفردها فه قرا ، و هم أخوة في الدين و يعيشون معآ في وادي لالش المقدس .و يمكن أن يكون البابا جاويش أو الناسكات من أية طبقة من طبقات ألأيزيدية التي ذكرناها على عكس بعض المراتب ألأخرى .
تسمية البابا جاويش :
من الجدير بالذكر أن أحد أولياء ألأيزيدية المعاصرين للشيخ عادي بن مسافر الشامي المولد الهكاري ألأصل المتوفي في سنة 1161 م ـ 557 ه كان يحمل أسم جاويش و له مزار في وادي لالش أضافة الى مرقد له في مجمع خانك التابع لمحافظة دهوك .
أما تفسير كلمة جاويش و أشتقاقها و كما يفسرها بعض الكتاب ألأيزيدين فأنها مركبة من الكلمتين ( جاو + ئيش ) وتعني ( العين + العمل ) أي المراقب و المشرف على العمل ، و هو تفسير قريب الى المنطق و الواقع ، ينسجم و يتطابق مع طبيعة بعض واجباته و أعماله و التي سنأتي الى ذكرها . أن (كلمةجاويش ) هي أيضآ تسمية كانت تطلق على أحدى الرتب ألعسكرية العثمانية و تقابل رتبة العريف أو رئيس العرفاء في الجيوش والشرطة العربية .
رواية أخرى :
حسب ميثولوجيا ألأيزيدية فأن لالش هي خميرة ألأرض، و تذكر بعض المصادر التأريخية بأنها كانت قلعة عسكرية للآشوريين ، ومصادر أخرى تقول بأنها كانت ديرآ للمسيحين النسطوريين ، وهنالك رواية أيزيدية ثانية تذكر بأن لالش كانت في ألأصل ملك لقدماء ألأيزيدية و بمرور ألأزمنة أصبحت ديرآ للمسيحيين الى أن أستردها الشيخ عادي بن مسافر .وكان وادي لالش يسكن من قبل الراهبان ألأخوين ( حنا + منا). يقال أن الشيخ عادي طلب من الراهبين تسليمه لالش كونها ملك أجداده ألأولين ، الا أنهما أبيا ذلك ، ولايزال رجال الدين ألأيزديين يحفظون و يتناولون مقولة أحدهما للأخر بعد سماعهما لطلب الشيخ . ( حنا قال لمنا ، جاء الشيخ ليأخذ المكان منا ) و بعد أن أبيّا ، رد عليهم الشيخ : أذهبا الى قبر والدكما و حدثوه بما قلت و هو بعون الله سيعلمكم بالحقيقة و أنا راض بحكمه ، فقبلا بالأمر و حسب الرواية أن والدهم أخبرهما بأن المكان يعود الى ذلك الشيخ و هو ذوو كرامات عظيمة وهو يعلم بسّره و كان يتمنى أن يظهر في عهده و قال لهما : أنتما محظوظان بمعاصرتكما و أياه و توسلوا اليه أن يبقيكما بقربه و أن يجعلكما من مريديه . أذن حسم ألأمر لصالح الشيخ و وافق هو ألآخر على بقاء ألأخوين في لالش المقدس و كافأ أحدهما بمنصب أو رتبة البابا جاويش ، لكي يبقى ذكرهم في لالش المقدس . والسؤال أكان هذا المنصب موجودآ في هيكل الديانة ألأيزيدية أم أن الشيخ عادي أستحدثه ؟ و يرى بعض المؤرخين و المستشرقين أن هذا المنصب أو الصفة في ألأيزدياتي أنما هو من تأثيرات الدياتة المسيحية عليها و هو يماثل أو يقابل القس الكاثوليكي الذي هو ألآخر محروم عليه الزواج .
واجبات و مهام البابا جاويش :
1ـ يشارك مع مجموعة من رجال الدين و عددهم أربعة عشر بأداء رقصة ( الصه ما ) أو ( السّما) المقدسة في وادي لالش أيام ألأعياد و المناسبات الدينية .
2ـ يرتل يوميآ قصيدة الصباح و المساء و أحدى ألأقوال في جلسة الشيخ عادي ، أضافة الى أدائه الطقس اليومي ( دعاء الصباح و المساء و شهادة الدين ) .
3ـ يقوم ببعض عمليات التنظيف للمراقد و أحواض المياه و مجاريها و بسقي ألأشجار و خاصة مزرعة الزيتون التي يصنع منها الزيت لأقاد (لأيقاد ) المصابيح الزيتية و الذبالات .
4ـ يشارك مع سادن ( متولي ) وادي لالش بطقس توزيع السماط المقدس أيام ألأعياد و المناسبات .
5ـ هو المسؤؤل على حفظ و تنظيف بعض الهياكل و التماثيل و الطواويس الرمزية المقدسة في أماكنها الخاصة و كذلك يقع على عاتقه حفظ العديد من مستلزمات وادي لالش مثل السجاد و ألأدوات الزراعية اليدوية و أدوات تقطيع الحطب..
6ـ يصوم أربعانية الصيف و الشتاء مع آخرين من رجال الدين .
هيئته و شكله :
رجل دين متلحي (ملتحي) يرتدي الملابس البيضاء بما في ذلك ( الشاش ) الذي يلف حول الطاقية المقدسة السوداءة اللون و التي تسمى ب (كولك) و من ثم يحملها على رأسه ، و في وسط جسمه يحمل ( الرّست ) ألأسود المقدس و الذي يجب أن يكون عدد دوراته سبعة و معقود في أحدى جوانبه أحدى الحلقات النحاسية أو البرونزية المقدسة ( خادم ) و كذلك يرتدي ( الخرقة البيضاء ) و من ثم العبائة (المرزو) البيضاء و يوجد على أردان و جوانب ألأخير خطوط رفيعة حمراءة اللون . كما يحرم عليه أرتداء ألأحذية طوال حياته داخل الحلقة ألأولى في وادي لالش التي تضم المراقد و ألأضرحة و باحات و حتى في فصل الشتاء المنجمد و القارص .و باباجاويش الراحل (بير كمال ) كان له أربعة ظفائر كونه كان قد عاش في مرحلة الطفولة و بداية شبابه بين مجموعة عشائر ال( جوانا ) و التي يطلق رجالها شعرهم و يجعلونه ظفائرآ .. و كان قص الشعر عند رجال و شباب تلك العشائر من المحرمات و الى ألآونة ألأخيرة ، و تعتبر هذه المجموعة أو العشيرة من المتطوعين و على أهبة ألأستعداد للتضحية بحياتهم من أجل عقيدتهم ، و ظفائرهم تلك أنما ترمز الى المقاومة و الثورية و يمكن أن يكون ذلك أحد ألأسباب الرئيسية التي مكنتهم و عبر التأريخ من مقاومة المحتلين و الغزاة و تحدوا كبقية ألأيزيدية أثنان و سبعون من حملات ألأبادة التي شنت عليهم من قبل المسلمين العرب و الترك والكورد .... وهنالك رواية أخرى مفادها أنهم أتخذوا ذلك تقليدآ بعد أن تطوعوا في جيش ( الشرفدين ) و الذي أراد أن يستخدمهم في الهجوم على الموصل للأنتقام و الرد على حاكمها بدر الين لؤلؤ الذي قام بأعدام والده الشيخ حسن بن الشيخ عادي بن صخر بن صخر بن مسافر سنة 664هجرية .
البابا جاويش كمال بير مرعان
هو كمال بن مرعان بن كمال بن ئوصى مجدين من مواليد 1927م دهولاـ سنجار و له أخوة ثلاثة هم عيسى و بيرو و بابير و لاأدري أن كان له أخوات ، ورد ذكر جده ئوصى في نص ملحمة المقاومة التي قام بها أيزيدية جبل سنجار ضد الحملة العسكرية الوحشية للفريق عمر وهبي باشا و التي قادها عليهم سنة 1891م.
مرض البير كمال في صغره ، فقدمه والده كنذر للشيخ عادي في لالش لكي يقبل دعائه و يشفيه من مرضه بمشيئة ربه ، و قد أجاب الرب لدعائه و أشفاه من عليله . ذات يوم رآى البير كمال في حلمه أنه سيمضي حياته في وادي لالش المقدس ، و بالفعل قدم الى لالش في عام 1947م ،و لفترة وجيزة كان يتردد بينها و بين أحدى قرى (به ربن ) و على ألأرجح أنها كانت قرية ( خورزا ) و ليستقر أخيرآ في لالش و بصورة دائمية . من الجدير بالذكر أنه قبل التأريخ أعلاه كان البير جروت بن بير الياس بن بير سليمان من أبيار( أيسبيا ) يشغل منصب البابا جاويش و كان ذوو علم و أدب غزير كما أنه كان عضوآ في تنظيمات الحزب الكوردي ( هيوا ) ، و في أحدى ألأيام بينما كان قادمآ من قرية باعذرة الى لالش وعلى طريق المشاة الجبلي ، أمتدت اليه أيادي أثيمة و أغتالته حيث كان ضحية لخصومات و مؤامرات أناس آخرين ، أو ليدخل القتلة الجنة على حد قول الكاتب و الشاعرالكبير ( مشه ختي ) ، حيث كان ألأخير صديقآ حميمآ للبابا جاويش بير جروت .و بعد مقتل البير جروت كان الكوجك ألياس يقوم بتشغيل المنصب بالوكالة لحين مقدم البير كمال الى لالش و أستقراره فيها ليتفرغ بعدها للحياة الدينية ، ومارس منصب البابا جاويش أيضآ بالوكالة لمدة عشرة سنوات و بعدها تم تنصيبه رسميآ من قبل ألأميرة ميان خاتون .
أضافة الى ألأغاني و ألأساطير و القصص الشعبية التي تعلمها البير كمال في سنجار ، فأنه حفظ و أتقن العديد من النصوص الدينية في لالش و كذلك تعلم القراءة و الكتابة من تلقاء نفسه ، و كان يجيد اللغة العربية العامية .
طوال ألأعوام العشرين ألأولى من أقامته في لالش صام البابا جاويش بير كمال أربعانيتي الصيف و الشتاء أي أربعين أربعانية أضافة الى فريضة الصوم العامة عند ألأيزيدين .وكان ذوو شعبية كبيرة كونه كان مؤمنآ صالحآ و أنسانآ متواضعآ ودودآ محبآ للخير والسلام و على درجة عالية من الصبر و عزة النفس ، يحب النكتة و ألأمثال الشعبية و الموسيقى و أتخذه الكثير من ألأيزيدية أخآ للآخرة . شكله و هيئته كانتا جميلتين و مثيرتين ، وبنفس الدرجة أحبه جل زوار لالش من أهل الديانات و الجنسيات ألأخرى من مستشرقين و باحثين و ساسة و سواح و غيرهم، ولأعجابهم به كانوا يحبون التقاط صور تذكارية معه و هو ألآخر كان مولعآ بها بل كانت أحدى هواياته ، و لم تقتصر علاقاته الحميمة مع بني البشر بل تجاوزت ذلك لتشمل أحد أصناف الطيور الجميلة ، فقد كان يطلق أصواتآ مشابهة لصوت ذلك الطير و ذلك من خلال وضع كفيه على فمه و نفخها و بتكرار ذلك لعدة مرات كان الطير يرد عليه بالمثل و بعدها بفترة كان الطير يتقرب اليه لمسافة أمتار محدودة و يستقر لبعض الوقت ، شاهدت ذلك بنفسي .
أحب البابا جاويش لعبة الدام الشعبية ، و كان يظهر غضبه بشدة عند الخسارة أمام أحد المتبارين .
أعمال وأنجازات
بالأضافةالى الواجبات و المهام الرسمية للبابا جاويش و التي ذكرناها ، فأن البابا جاويش بير كمال قام بأداء أعمال أخرى و منها :
1ـ بنى العديد من الغرف في وادي لالش على نفقته الخاصة و مصدر أمواله كان من الخيرات التي يقدمها له ألأيزيديين ، و هذه الغرف تكون مشاعة لعامة ألأيزيديين ممن يزورون لالش للسكن فبها و خاصة فترة ألأعياد والمناسبات . و ماحفره و كتبه بيده على صخور و وضعت في تلك الغرف شاهد على ذلك ، و كنا في الكثير من ألأحيان نتوسل اليه قائلين له يا بابا جاويش أسمح لنا بأن نحضر خطاطآ لكي يكتب على الحجر ما تريده و قم أنت بعملية الحفر ، الا أنه لم يقتنع بالفكرة و فضلّ أن يقوم بكامل العملية بنفسه و جدير بالذكر أنه كان قد كتب على أحد ألأحجار أسمه و تأريخ قدومه الى لالش عام 1947 م كما ذكرناه و ثبتها في جدار يسمى بزقاق ئيسيان (قرية أسيا) و الواقع قرب العين البيضاء (كانيا سبي ) في وسط لالش.
2ـ زراعة العديد من ألأشجار في وادي لالش مع القيام برعايتها و سقيها .
3ـ أستقبال الزوار و الحجاج ألأيزيديين بصورة عامة و ألأجانب بصورة خاصة .
4ـ كان على دراية و معرفة و مهارة جيدة بترميم و تنظيف مصادر المياه و أحواضها و مجاريها المعقدة نوعآ ما .
5ـ بعد فترة و أخرى كان يقوم بشراء خروف أو شاة و يقدمه كقربان .
6ـ أذا صادف في أثناء زيارته لأحد القرى ألأيزيدية مع سيارة ركاب عامة ، فأنه كان يدفع أجرة جميع ركابها و خاصة أذا كانوا طلبة .

بعض مقتنياته الشخصية
1ـ كان البابا جاويش يحمل في أصبعه خاتمآ جميلآ و على ألأرجح أنه كان مصنوعآ من البرونز مرسوم على وجهه شجرة النخيل و مكتوب عليه باللغة ألأنكليزية :
Bagdad 1418
رجوته عدة مرات أن يعطيني أياه أما هدية أو مقابل مبلغ من المال ، لكنه أبا ذلك و كان فخورآ به و كذلك بساعة الجيب التي كان يحملها و الذي كان يستخدم النظام الزوالي أو العربي كما كان يسميها هو في توقيتها .
2ـ و كان على الدوام يحمل مايلي :
كيس التبغ وعلبة السيكاير ، منديل أحمر قاتم اللون ، عدسة محدبة ، سكين صغير مقبضها من قرن الشاة ، محفظة نقود ، قلم رصاص ، و في غرفته الخاصة كان يحتفظ بآلة المنظار ( دوربين ) و كذلك آلة التنبورالعادية صنعها بنفسه من شجرة التوت و كان يتقن صنعها وعزفها بصورة جيدة ، و كان له جهاز راديو يتابع به ألأخبار ألاأنه كان ينأى عن تشغيله بنفسه خشية مكروه يقع له ! أخبربذلك في رؤية رآها ، و بالرغم من عدم أقتناءه لجهاز التلفزيون ألا أنه كان يستمتع بمشاهدته في منزل متولي المرقد و خاصة برامج أفلام الكارتون .
3ـ هوية ألأحوال المدنية و كان قد كتب في حقل مهنته مايلي : خادم الشيخ عادي .
رغم نسبية ألأشياء في الطبيعة و الحياة ، ألا أنه لكل قاعدة شواذ و لذلك يمكننا القول أنه كان للبابا جويش أيمان مطلق بالله و ألأيزدياتي . والدليل على ذلك تركه للعالم الدنيوي و مافيه من ملذات و نعم و ترف و أختياره حياة الدروشة و التصوف و الزهد ، وهو لم يكتفي بكظم و كبت شهواته و غرائزه كرجل ، بل قام ببترعضوه الذكري بالكامل و بنفسه و ذلك يذكرنا بما كان يقوم به كهنة المعابد في سومر القديمة حيث كانوا يقومون بالعمل نفسه معبرين بذلك عن نفيهم لذاتهم الذكرية و كرجوع أعتباري الى مصدر الحياة و الولادة التي هي ألأم الكبرى ( عشتار ) ألأرض و التي كانت تحمل نقيضها معها في وحدة أزلية و بأخصاب ذاتي نشأة الحياة ، أي أن مصدر تموز نفسه كانت عشتار ، و كان ذلك يعتبر نوع من القربان اي التضحية بجزء من الجسم ، وحسبما يخبرنا التأريخ فأنه كانوا في السابق يقدمون البشر كقرابين أي أن ألأنسان كان يذبح و في فترات لاحقة أصبح يستخدم الحيوان كقربان بدلآ عن ألأنسان و فلسفة ( القربان البشري ـ القمح ـ تموز ) عند قدماء العراقين معروفة . و أن مراسيم و طقوس الختان الجاري ممارسته الى يومنا هذا عند معتنقي بعض ألأديان ما هو ألآ أمتداد و تواصل جزئي و رمزي لذلك القربان .
سألت البابا جاويش و لعدة مرات ، ألست نادمآ على وضعك الحالي أي على ماقررته و أخترته و ما فعلته بنفسك ؟
كان يجيبني دائمآ : على ألأطلاق أنا لست نادمآ ، بل فخور و مرتاح جدآ لأن أيماني مطلق بالله و ألأيزدياتي و أذا كنت تقصد ألأولاد و الذرية لإأنا لا أفكر بذلك بتاتآ ، ليس لأنه لديّ ثلاثة أخوة و لهم الكثير من ألأولاد بل لأن ألأيزيدين كلهم أولادي .
رب قارئ أو قائل يقول أن سؤالك هذا كان تجريحي أو أستفزازي أو ربما غير متزن ، فأرد و أقول أن أسلوب و طبيعة و أجواء الحوار و النقاش بيننا في هكذا مواضيع كان وديآ و صريحآ و تعاملي معه كان على أعتبار أنه أب روحي لجميع ألأيزيدية و من الناحية النفسية هو ألآخر كان بحاجة الى سماع هكذا نوع من ألأسئلة و لكن شرط أن يكون الهدف من ورائها معرفة الحقيقة ، حقيقة أيمانه المطلق و ليس أن يكون غرضها ألأهانة و التجريح و ألأنتقاص من شخصيته .
و كان البابا جاويش مطمئنآ عندما كنت أحاوره و مهما كانت نوعية ألأسئلة التي كنت أطرحها عليه و ذلك بسب علاقاتنا العائلية المتينة و المبنية على ألأحترام و التقدير و على مدار أكثر من خمسين سنة في لالش ، أذن هو يعلم أن ألأسئلة تأتيه من شخص يكن له المحبة .
يوجد في وادي لالش عائلتان أحداهما عائلة السادن أو متولي لالش التي أنتمي اليها و عائلة السفيل المتمثلة ب البابا جاويش وأخواته الناسكات . حياتنا و مصيرنا كان مشتركآ لأكثر من نصف قرن ، كل من العائلتين على دراية و أطلاع فيما يدور و يجري في العائلة ألأخرى .كانت و مازالت عائلتنا تعيش هناك و تنظر الى أفراد عائلة السفيل على أنهم آباء و أمهات روحيون . جدير بالذكر أن البابا جاويش و جدي فقير شمو و من بعد أبي فقير حجي كادوا في الكثير من ألأحيان أن يلقوا حتفهم من قبل قاطعي الطريق و مرتزقة و أصوليين ، ولكن قدرهم نجاهم من الموت المؤكد .
نبأ وفاة البابا جاويش للمرة ألأولى
في عام 1994 كان للجنة الثقافية في مركز لالش الثقافي ألأجتماعي في دهوك نشاط مكثف و جيد من أصدار المجلة و أقامة المواسم الثقافية و توثيق الطقوس و المراسيم و أقامة متحف متواضع في المركز و أجراء لقاءات مع رجال الدين و المعمرين ، ومن ضمن برامجنا آنذاك أجراء لقاء مصور بكامرة الفيديو مع البابا جاويش و الناسكات ( كاباني شرين و فه قرا كولى ) و قبل أجراء اللقاء تلقينا بحزن و الم شديدين نبأ وفاة البابا جاويش . و الحمد لله و الشكر تبين فيما بعد أن الخبر كان كاذبآ ، فعمت البهجة و السرور قلوبنا و بعد أيام قليلة تهيئنا وبسرعة و توجهنا من دهوك الى لالش و أجرينا لقاء مطولآ موثقآ بكاميرة الفيديو مع البابا جاويش و ( داي كول و داي شرين ) و كذلك قمنا بتصوير طقس أيقاد الذبالات ( جرا ) و الذي قام به سادن كلي لالش المرحوم فقير مراد فقير شمو .
و الجدير بالذكر أن اللقاء الذي أجريناه معهم يحتوي على سيرتهم الشخصية ، مهامهم و واجباتهم ، أضافة الى مواضيع متفرقة منها ميثولوجياالديانة ألأيزيدية مع ترتيل مقاطع مختلفة من نصوص دينية .
بعد فترة وجيزة زار البابا جاويش مركز لالش و تبرع بمبلغ الف دينار و كتب كلمة في سجل الزيارات و نشرت في العدد الخامس من مجلة المركز ( لالش ) و أدناه نص الكلمة :
أنا بابا جاويش خادم شيخ عادي دعاجي لل هلدين ليل و نهار 31/1/ 1995.
بالرغم من أن بابا جاويش عاش أكثر من خمسين سنة في وادي لالش النائي و المنعزل نسبيآ ، ولم يتخرج من أية مدرسة ، كما أنه لم يزور أية جامعة أو مركز ثقافي من قبل و لم يسمع بسجل الزيارات و ماهيتها ، ألا أنه أستطاع أن يكتب تلك الجملة القصيرة المعبرة بأروع أسلوب يمكن أن تكتب .
في بداية السبعينيات زار وادي لالش أحد الباحثين ألأنكليز و قام بتوثيق كافة مراسيم و طقوس جماعية لالش بالكاميرة التلفزيونية ( السينمائية ) ، ويظهر البابا جاويش في عدة مقاطع و أهمها اللقطات التي يظهر فيها و هو يعزف على آلة التمبور ( ملحمة نه واخا براهيم باشا ).
في الثمانينيات تعرض البابا جاويش الى جلطة قلبية ، نتج عنها حدوث شلل بسيط و أستعاد عافيته بعد حين ، و في العام 2000 م أصيب بمرض الخرف أنتقل على أثره الى دار أخيه بابير في مدينة عين سفني مركز قضاء الشيخان على بعد عشرة كيلومترات جنوب لالش ألا أن وافاه ألأجل ( قه ده م كوهاست ) و أنتقل الى رحمة الله في 1/11/ 2001م .
أقيمت له مراسيم عزاء تليق بمكانته و دفن في بناية ( ئيزدينى مير ) في وسط لالش ، حيث يدفن فيها أيضآ البيشيمام ، بعض الكواجك ، الفقرايات ، الكاباني .
كما أقيم له العزاء في مناطق تواجد ألأيزيدين في المانيا و أصدرت المراكز الثقافية في الوطن كوردستان و المهجر كلمات و مقالات تأبينية بالمناسبة ألأليمة .
مما يؤسف له أن البابا جاويش لم يرضى بأن نقوم بتوثيق ما كان لديه من نصوص دينية، ألا أنه كان يلقيها و يرتلها أحيانآ، وفي الكثير من الليالي كان يروي لنا قصصآ و أساطيرآ شعبية ، و أهم أسطورة أتذكرها و بأختصار شديد : أن رجل ما علم بوجود كهف غريب في أحدى الجبال الواقعة خلف البحار ، كتبت على جدرانه جميع خفايا و أسرار الكون والملائكة و الآلهة ، و أن باب الكهف يفتح ويغلق تلقائيآ مرة واحدة فقط في السنة ، وغامر الرجل بعد أن هيأ كل مستلزمات الرحلة من مؤن و أدوات الكتابة و النقل و ألأنارة و دخل الكهف في الموعد المقرر و بعد مرور عام تمكن من تدوين كل ما هو موجود على الجدران ، و في أثناء عودته نزل الملاك جبرييل بصورة أنسان في سفينته و سأله عن مكان تواجد جبرييل ؟ فقرأ كتابه هنيةّ و أجاب : أنه ليس في السماء و قرأ المزيد و قال ليس في البحر و في المرة الثالثة قال : هو على ظهر هذه السفينة و أخيرآ قرأ و قال : أما أنا جبرييل أو أنت ، فغضب جبرييل و ضرب برجله السفينة و أغرقها .نستنتج من ألأسطورة هذه مايلي : بالعلم يمكن التوصل الى معرفة كل ألأشياء بضمنها أسرار ألألهة والملائكة ، و يبدو أن ألألهة قد وضعت حدآ لقدرات و معرفة ألأنسان و لاتسمح له بتجاوزها .
كما أتذكرأحدى الحكم القصيرة التي رواها لنا البابا جاويش و مفادها : أن رجلآ كان جالسآ تحت ظل أحدى أشجار الجوز و عند جذعها أثمرت أحدى نبتات الرقي برقية كبيرة . تأمل الرجل فيهما مليآ و قال ياربي : أعتقد أنك لم تكن حكيمآ في خلقك ( صنعك ) ، فكيف بهذه الشجرة و هي تحمل ثمر صغير بينما هذه النبتة الصغيرة تحمل ثمر كبير و هذا تناقض غير معقول و بعد برهة سقطت أحدى الجوزات من أعلى الشجرة على رأسه فألمته كثيرآ ، و في الحال صاح الرجل و قال : بلى ياألاهي لقد كنت في منتهى الحكمة ، فلو كان حال الثمر على العكس لكان مصيري الآن الهلاك . وفي كلمة أخيرة أقول : أن تزور كلي لالش و لاتجد فيها البابا جاويش بير كمال يمكن أن تشبه بزيارة مدينة نييورك و عدم مشاهدة تذكار الحرية فيها أو أن تزور متحف اللوفر في باريس و لاتجد فيها لوحة الموناليزا .بالطبع هذا هو رأي الشخصي عن البابا جاويش بير كمال .
1ـ جدير بالذكر أن ألأخ دخيل شمو قد نشر في الثمانيات مقالا عن البابا جاويش في أحدى أعداد مجلة الكاروان التي كانت تصدر باللغتين العربية والكوردية في أربيل .
2ـ وبمناسبة وفاته نشر ألأخ عيدو بابا شيخ مقالآ قصيرآ عنه في صحيفة ألأتحاد الصادرة باللغة العربية في كوردستان الجنوبي .
3ـ في مجلة لالش العدد 22 نيسان 2005 نشر ألأخ كامل خديدا مقالآ عن عائلة السفيل ( بابا جاويش و الكابانيات و الفقرايات ) و يذكر في مقاله أن مواليد البير كمال هو 1920 بينما كنت أعتقد أن ميلاده هو 1927 ، للتأكد من معرفة ميلاده الحقيقي يمكن مراجعة اللقاء الموثق معه في ارشيف مركز لالش . و يتبين من المقال المذكور أن ألأخ خضر دوملي قد نشر أيضآ مقالآ في جريدة ( ده نكى لالش ) مقالآ عن عائلة السفيل .
ملاحظة :
أن بعض فقرات المقال هذا القيته في الحفل التأبيني الذي أقامه المركز الديني للأيزديين في مدينة أولدنبورك ـ المانيا بمناسبة وفاة البابا جاويش بير كمال